رأيت أمي

تم الكشف عن تورط رجل الأعمال رامز السامرائي ضمن شبكة كبيرة لغسيل الأموال وتزوير العقارات وابتزاز أصحاب الديون.
ظهرت تقارير عن شركات وهمية، وتحويلات مالية مشبوهة، وعقارات مسجلة بأسماء مزيفة.
وكان اسم رامز السامرائي يتكرر في كل مكان.
القنوات تتحدث عنه.
والصحف تنشر صوره.
والناس بدأت تكتشف أن الرجل الذي بدا محترمًا طوال سنوات لم يكن سوى واجهة لشبكة كبيرة من الابتزاز والفساد.
وبعد أيام…
أُلقي القبض عليه أخيرًا.
أتذكر تلك اللحظة جيدًا.
كان أبي واقفًا أمام التلفاز صامتًا، بينما ظهر رامز محاطًا برجال الشرطة، يحاول إخفاء وجهه عن الكاميرات.
أما نور…
فجلست تبكي من شدة الارتياح.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعرتُ أن الخوف بدأ يخرج من البيت فعلًا.
ومنذ تلك الليلة…
بدأ هاتف أبي يرنّ مجددًا.
كانت أمي.
في البداية كانت المكالمات قصيرة ومترددة، كأنها لا تصدق أن الرجل الذي طاردها سنوات أصبح خلف القضبان أخيرًا.
ثم بدأت تتحدث أكثر.
تسأل عنّا.
عن البيت.
عن تفاصيل صغيرة مضى عليها عمر كامل.
وكأنها تحاول العودة إلينا تدريجيًا…
صوتًا بعد صوت.
ثم تحولت المكالمات إلى رسائل طويلة.
رسائل مليئة بالتعب…
والندم…
وكل الكلمات التي ضاعت بينهما طوال اثنتي عشرة سنة.
كان أبي يجلس أحيانًا قرب النافذة بعد أن ننام، ممسكًا بهاتفه بصمت، ثم يخرج إلى السطح حتى لا نراه وهو يبكي.
وفي إحدى الليالي، استيقظتُ صدفة وسمعته يقول لها بصوت مكسور:
“تعبنا يا أم زهراء… ارجعي.”
ساد الصمت للحظات عبر الهاتف.
ثم سمعته يضيف:
“والله ما عاد يهمني شيء غير أن تعودي.”
لم أسمع ردها…
لكنني سمعت بكاءها.
ومنذ تلك الليلة، صار أبي ينتظر مكالمتها كل مساء.
وأحيانًا كانت ترسل صورًا بسيطة من المكان الذي تختبئ فيه؛ كوب شاي، نافذة مطلة على شارع قديم، أو سماء البصرة وقت المغرب.
كأنها تحاول أن تعود إلينا تدريجيًا…
صورة بعد صورة.
أما أنا…
فكنت أقرأ الرسائل القديمة التي تركتها داخل الصندوق مرة بعد مرة، وأشعر في كل مرة أنني أتعرف إلى أمي لأول مرة.
لكن القصة لم تنتهِ عند ذلك.
فبعد شهر تقريبًا…
انتشر خبر جديد هزّ الجميع.
وُجد رامز مشنوقًا داخل زنزانته.
قالت الشرطة إنها حالة انتحار.
لكن الناس ظلوا يتهامسون طويلًا أن رجالًا أكبر منه قرروا إسكاتَه قبل أن يتكلم أكثر.
