حشرة صغيرة حكايات زهرة ج الاخير

ج الاخير

سرت في ممر ضيق، والبيوت حولنا تبدو وكأنها مهجورة منذ قرون. فجأة، رأيت ضوءاً خافتاً ينبعث من كوخ في نهاية الممر. كان زوجي، “سامر”، يقف هناك، بملابس رثة، وجهه شاحب، وعيناه غارقتان في حزن عميق.
“سامر؟!” صرخت بصوت مختنق.

استدار لي، وبمجرد أن وقعت عيناه على الحشرة، سقط على ركبتيه وبدأ يبكي بنحيب ممزق. “لقد فعلتُها يا سارة.. لقد كنت أبحث عن الثراء، عن حياة أفضل لنا، ولم أكن أعلم أن الثمن سيكون دماء ابنتنا!”
اقتربت منه، صفعته بقوة، ثم هززته من كتفيه: “تكلم! ما هذه الحشرة؟ ولماذا ابنتنا؟”

مسح دموعه بيده المرتجفة وقال بصوت مبحوح: “في تلك الرحلة، كنت غارقاً في الديون. التقيت برجل عجوز في مغارة مهجورة، عرض عليّ ثروة مقابل ‘استضافة’. لم يخبرني أنها استضافة للجسد. أعطاني الدمية، وقال لي إنها تجلب الحظ، لكنها كانت ‘حاضنة’. عندما تضعها في البيت، تفرز يرقات غير مرئية. نور كانت أقرب كائن لها.. الحشرة هذه هي ‘الخادم’. هي التي تمتص روحها لتبني جسداً لـ ‘شيء’ آخر يريد أن يولد في عالمنا!”
شعرت بالدوار، العالم يدور من حولي. “أين الرجل؟ أريد أن أقتله!”
“الرجل ليس بشراً يا سارة،” قال سامر وهو يشير إلى الكوخ. “إنه داخل تلك المغارة. وينتظر اكتمال ‘الوعاء’. نور هي الوعاء.”
دخلنا المغارة سوياً. كانت جدرانها مليئة بالرسوم الجدارية التي تحكي قصة كائنات قديمة تتغذى على طاقة الأحياء. وفي المركز، كان هناك مذبح حجري، وفوقه أوعية كثيرة، وبداخل كل وعاء حشرة مماثلة تماماً لتلك التي فوق أذن ابنتي.
هنا، في هذه اللحظة، أدركت أن ابنتي ليست الحالة الأولى، ولن تكون الأخيرة. عشرات الأطفال.. عشرات الأرواح المفقودة!
صوت خطوات خلفنا جعلنا نلتفت. كان العجوز. لم يكن له وجه حقيقي، بل كان وجهاً يتغير باستمرار، كأنه قناع من دخان. قال بصوت يشبه احتكاك الصخور: “لقد وصلتِ يا أم الوعاء. هل أنتِ مستعدة لتقديم التضحية مقابل حياة ابنتك؟”
“ما هي التضحية؟” سألت، وصوتي يملؤه التحدي والكره.

ضحك الرجل ضحكة أرعبت جدران المغارة: “تضحية؟ لا، سارة. أنا لا أريد تضحية. أنا أريد ‘استبدالاً’. سآخذ روح نور، وسأمنحكِ أنتِ عمراً أبدياً بجانبها كظِل.. أو.. يمكنكِ أن تأخذي الحشرة على جسدكِ أنتِ وتتركيها حرة!”
نظرت إلى سامر، ونظرت إلى نور التي بدأ جسدها يرتجف بشدة، وكأن شيئاً يحاول الخروج من مسام جلدها. الحشرة خلف أذنها بدأت في الانفتاح، وأجزاء سوداء بدأت تخرج منها..
كانت لحظة الحسم. هل أضحي بنفسي؟ أم أبحث عن طريقة لقتل هذا الكائن قبل أن يلتهم ابنتي؟ أخذت نفساً عميقاً، وأمسكت بقطعة حديد حادة كانت على الأرض.. اللعبة لم تنتهِ بعد.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *