حشرة صغيرة حكايات زهرة ج 1
ج1

شعرت بالدم يغلي في عروقي. “كيف أخرجها؟ أرجوكِ، اقتليها، احرقيها، افعلي أي شيء!”
نظرت إليّ العجوز بأسى: “إذا قتلتِها الآن، ستأخذ معها روح الطفلة. الحشرة ربطت مخالبها بأعصاب نور. الحل ليس في الجسد، الحل في (المصدر). الحشرة هذه هي مجرد واجهة.. من الذي أرسلها؟ ومن الذي وضعها هناك؟”
سألتها بذهول: “ماذا تقصدين؟ هناك من وضعها؟”
قالت العجوز وهي تشير إلى أثر الحشرة التي بدأت تفرز سائلاً أسوداً داكناً على جلد نور: “انظري.. إنها تكتب! إنها تترك علامات.”
اقتربت بذهول، كان السائل الأسود يرسم رموزاً هندسية غريبة على عنق ابنتي، رموزاً رأيتها من قبل.. نعم.. رأيتها بالأمس في دمية نور، الدمية التي جلبها لها والدها من رحلته الأخيرة إلى مدينة نائية في أعماق الصعيد.
أدركت حينها الحقيقة المرعبة. الحشرة لم تكن صدفة. الحشرة كانت جزءاً من طقس أكبر، من اتفاق مرعب، من لعنة سارية في دماء ابنتي، ووالدها.. الرجل الذي يغيب بالأسابيع ويعود بهدايا غريبة، ربما هو الحلقة المفقودة في هذا الكابوس!
وفجأة، بينما كنت غارقة في أفكاري، أصدرت “نور” صوتاً لم أسمعه منها من قبل. صوت بشري عميق، غليظ، لا يتناسب مع عمرها، وهي لا تزال مغمضة العينين:
“لقد وجدونا.. سيأتون لأخذ الوعاء!”
ارتجفت الغرفة، وانطفأت المصابيح، وأحسست ببرودة لا تحتمل تملأ المكان. الخالة نفيسة سحبتني لزاوية الغرفة وهمست: “اختبئي.. الآن بدأوا بمطاردتنا!”
هذا لم يعد مرضاً، هذا كان حرباً.. حرباً بدأت بقرصة حشرة، وستنتهي بمواجهة قوى لا يمكن للبشر فهمها.
ساد صمت جنائزي في الغرفة المظلمة، لم يقطعه سوى أنفاس “نور” المتسارعة التي بدأت تأخذ إيقاعاً منتظماً ومخيفاً، وكأن جسدها الصغير تحول إلى آلة تعمل بنظام لا أفهمه. الخالة نفيسة كانت متمسكة بذراعي، أظافرها غارت في جلدي، وأنا كنت أرى من خلال النافذة الصغيرة المتربة ظلالاً تتحرك خارج البيت، ظلالاً ليست بشرية تماماً، تتراقص مع هبوب الرياح التي فجأة بدأت تعوي وكأنها تستغيث.
“اسمعيني جيداً يا ابنتي،” همست العجوز وصوتها يرتجف، “الدمية التي في بيتك ليست مجرد لعبة. هي ‘المرساة’. طالما تلك الدمية موجودة في منزلك، سيظلون يعرفون مكانك. هؤلاء الذين لا أسمي أسماءهم يتبعون الأثر، والدمية هي الأثر الأقوى.”




