حشرة صغيرة حكايات زهرة ج الاخير
ج الاخير

“اخرجي من هنا يا سارة!” صرخ سامر بصوت واهن وهو يحاول النهوض.
حملت نور، التي بدأت تنفسها يعود لطبيعته، واندفعت نحو مخرج المغارة. الأرض كانت تنشق تحت أقدامنا، والسواد الذي كان يغطي المكان بدأ يتبخر كأنه كابوس يطرد بنور الصباح.
ركضنا وسط الغابة الموحشة، خلفنا كانت المغارة تنهار على نفسها، تبتلع تاريخاً من الشر والظلام. عندما وصلنا إلى السيارة، كنت ألهث، ورئتاي تحترقان، لكنني لم أتوقف حتى ابتعدنا أميالاً عن تلك القرية الملعونة.
توقفت السيارة في محطة وقود مهجورة مع إشراقة الشمس. نظرت إلى نور. كانت نائمة بعمق، لا تئن، لا تتنفض، ورقبتها.. رقبتها لم يعد بها سوى أثر خفيف لجرح صغير بدأ يلتئم.
التفتُ إلى سامر الذي كان يجلس بجانبي، يغطي وجهه بيده. لم أعد أرى فيه الزوج الذي أحببته، بل أرى فيه الرجل الذي باع روح ابنته مقابل وهم.
“سامر،” قلت بصوت هادئ، هدوء ما بعد العاصفة. “هل انتهى الأمر حقاً؟ هل تظن أن هذه الكائنات ستتركنا وشأننا بعد أن دمرت مقرها؟”
رفع سامر رأسه، وكانت عيناه خاويتين. “لقد دمرتِ ‘المرسى’ يا سارة. لم يعد لديهم طريق للعودة إلى هذا الجسد. لكن.. هناك الكثير من المذابح الأخرى في العالم. هؤلاء ليسوا وحدهم.”
نظرت إلى ابنتي التي بدأت تحرك أصابعها الصغيرة، وفتحت عينيها الزرقاوين. ابتسمت لي ابتسامة بريئة، وكأنها ولدت من جديد.
“سأحميها يا سامر،” قلت بحزم. “سأحميها من كل شيء. حتى لو اضطررت لمحاربة العالم بأسره.”
أدركت حينها أن حياتنا لن تعود كما كانت. الخوف سيظل رفيقنا، والليل سيكون عدونا، لكنني عرفت الآن أنني أمتلك قوة لا تضاهى.. قوة الأم التي استعادت روح طفلتها من بين براثن الجحيم.
لكن، في أعماق قلبي، كان هناك شك صغير، خيط رفيع من القلق. الحشرة سقطت، نعم. اللعنة انتهت، ربما. لكن.. هل كانت تلك الحشرة هي الكائن الوحيد الذي انتقل من المغارة؟ أم أن هناك شيئاً آخر.. شيئاً أخطر، تسلل لجسد ابنتي في اللحظات الأخيرة قبل أن تتحطم الحشرة؟
نظرت إلى أذن نور، ولاحظت شيئاً لم أره من قبل.. وميضاً صغيراً، خفياً، تحت جلدها مباشرة. وميضاً يشبه الضوء الذي كان ينبعث من المذبح.
ابتلعت ريقي، وأدركت أن الفصل الخامس.. قد بدأ للتو.
مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة المروعة. استعدنا حياتنا بظاهرها، لكن باطنها كان مشحوناً بتوجس لا ينتهي. عدنا إلى مدينتنا، انتقلنا إلى شقة جديدة، وحاولنا تناسي ما حدث. سامر أصبح شخصاً آخر، زاهداً، صامتاً، يقضي ساعات في الصلاة والندم، وكأن عقابه هو العيش مع ذكرى ما اقترفه. أما أنا، فكنت “حارسة نور”، لا أغيب عنها لحظة، عيني تلاحق كل حركة، وكل نظرة، وكل نبضة.
لكن “الوميض” الذي رأيته تحت جلد أذنها في تلك المحطة لم يكن وهماً بصرياً.
في البداية، كان يظهر فقط في ظلام الليل الدامس. كنت أستيقظ على ضوء أزرق خافت، كضوء النيون، ينبثق من خلف أذن نور وهي نائمة. كنت ألمسه، فأجد الجلد طبيعياً، لكنه كان يسخن تحت أصابعي وكأن هناك دوائر كهربائية تعمل بالداخل. لم أكن أجرؤ على إخبار طبيب، فمن سيصدق أن ابنتي بداخلها كيان يحمل ضوءاً مجهولاً؟
بدأت “نور” تتغير. ليس في سلوكها، بل في قدراتها. بدأت تنطق بجمل كاملة رغم أنها لم تكن تتجاوز الثلاث سنوات. لم تكن تتحدث معي، بل كانت تتحدث إلى “اللاشيء”. كانت تجلس في زاوية الغرفة، وتنظر إلى الجدار الفارغ، وتقول بصوت طفولي هادئ: “إنه ينتظر يا ماما.. يقول إن الباب لم يغلق تماماً”.
تجمد الدم في عروقي في كل مرة تقول فيها ذلك. كنت أحتضنها وأقرأ القرآن، فتهدأ، لكن الضوء خلف أذنها كان يشتد بريقه، وكأنه يتحدى كلماتي.
ذات ليلة، بينما كنت أعد طعام العشاء، سمعت صراخاً حاداً من غرفة المعيشة. جريت لأجد التلفاز يعمل بقنوات مشوشة، ونور واقفة في منتصف الغرفة، وأشياء المنزل – الكراسي، المزهريات، الكتب – تطفو في الهواء من حولها ببطء شديد، وكأن الجاذبية تخلت عن عملها في هذا المكان. كانت عيناها مغمضتين، والضوء خلف أذنها تحول إلى شعاع قوي يضيء الغرفة كلها.
“نور!” صرخت برعب.
سقطت الأشياء فجأة على الأرض، وأغمي عليها. حملتها ووضعتها على الأريكة، ونظرت إلى أذنها. لم يكن هناك ضوء هذه المرة، بل كان هناك “شق” صغير، خط دقيق جداً كأنه رسم بالليزر، ينزف سائلاً فضياً لامعاً.
فهمت حينها الحقيقة المرة التي كنت أهرب منها: الكيان لم يغادر. لقد اندمج. لقد أصبحت نور هي المغارة، وهي المذبح، وهي البوابة.
اتصلت بالخالة نفيسة، لم يجب أحد. اتصلت بـ سامر، كان في العمل، صوته كان يرتجف عندما قلت له ما حدث. عاد إلى البيت في دقائق، وبمجرد أن رأى السائل الفضي، انهار باكياً: “لقد أخذها.. لقد أخذ روحها واستبدلها بكيانه.”
“لا!” صرخت. “نور لا تزال هنا! هي تناديني، هي تحبني!”
“هذا هو الخداع الأكبر يا سارة،” قال سامر بمرارة. “هذا الكائن يتغذى على حبكِ. هو ينمو داخلها من خلال مشاعرك تجاهها. كلما أحببتِها أكثر، كلما زادت طاقته.”
في تلك اللحظة، فتحت نور عينيها. لم تكن عيناها الزرقاوان اللطيفتان، بل كانتا عيوناً بلا بؤبؤ، عيوناً تشبه المجرات البعيدة، مليئة بالنجوم والعدم. نظرت إلينا، وقالت بصوت مكرر، صوت يخرج من حنجرتها ومن كل جدار في الغرفة في آن واحد:
“أنتما تتحدثان عني بصيغة الغائب، وكأنني لست هنا. لقد اخترتِ يا سارة أن تحميها، فمنحتني الوعاء الأفضل. شكراً لكِ.”
تراجعت إلى الوراء، ممسكة بكرسي للدفاع عن نفسي، لكن الكيان – الذي يسكن جسد طفلتي – لم يهاجم. وقف ونظر إلى النافذة، إلى السماء المظلمة.
“قريباً،” قال الكيان، “ستفتح الأبواب التي أغلقتِها، وسأعود إلى بيتي الأصلي. وأنتِ.. ستكونين أول ضيوفِ هناك.”
شعرت بقوة غير مرئية ترفعني من على الأرض، تضغط على رقبتي. بدأت أختنق. سامر حاول الإمساك بي، لكن ذراعاً خفية دفعته بعيداً.
“سارة!” صرخ سامر.
في تلك اللحظة، فعلتُ شيئاً لم أكن أتخيله. تذكرت أنني أم. وأم لا تستسلم أمام شيطان. أغمضت عيني، وبدأت أستحضر كل ذكرياتي الجميلة مع نور، ليس كأداة للكيان، بل كأم. بدأت أتحدث بقلبي، لا بلساني: “أنتِ نور.. أنتِ قطعة مني.. مهما كان ما يسكنكِ، فأنتِ ابنتي. أنا لا أحاربكِ، أنا أحتضنكِ”.
بدأت قوة الضغط تخف. الكيان الذي يسكن جسدها أصيب بالذهول. “ماذا تفعلين؟ توقفي! هذه الطاقة.. لا يمكن تحملها!”
لقد كانت طاقة الحب غير المشروط، طاقة لا يدركها هؤلاء الكائنات الذين يعيشون على الطمع والشر. استمريت في الإصرار، ضممتها إلى صدري رغم الرعب. شعرت بالكيان يصرخ داخلها، شعرت بحرارة لا تحتمل تحرق صدري، لكنني لم أتركها.
وفجأة، شعرت ببرودة شديدة تسري في المكان. الضوء خلف أذنها انطفأ تماماً. سقطت نور بين ذراعي، مغشياً عليها، لكنها كانت تتنفس بانتظام.
نظرت إلى سامر. كان ينظر إلينا بذهول. هل نجحنا؟ هل طردناه؟
لم يدم هدوئي طويلاً. صوت طرقات عنيفة على باب الشقة جعلنا نقفز. طرقات لم تكن بشرية.. طرقات تشبه مخالب حديدية تقطع الخشب.
“لقد وصلوا،” همس سامر. “لقد وصلوا لاسترداد بضاعتهم.”
نظرت إلى الباب، ثم إلى النافذة، ثم إلى ابنتي. لم يعد هناك مهرب. المغارة دمرت، لكن الجحيم الآن.. يطرق باب منزلي.
أمسكت بيدي سامر، وأمسكت بيد ابنتي، ووقفت أمام الباب. إذا كان هذا هو الفصل الأخير، فسأكتبه بدمائي.
“جاهز؟” سألت سامر.
مسح دموعه، وأمسك بقطعة حديد صغيرة كان يخفيها في جيبه منذ ليلة المغارة. “حتى النهاية يا سارة.”
انفجر الباب.
رأيت ظلالاً تتشكل، كائنات ليس لها ملامح، مخالبها تلمع في الضوء الخافت. بدأت المعركة التي لم يكتب لها التاريخ بداية، لكنني قررت أن أكتب لها نهاية.
هل ستنجو نور؟ وهل سنخرج من هذا البيت أحياء؟ الفصل السادس.. هو الفصل الأخير.
انفجر الباب الخشبي ليتحول إلى شظايا متطايرة في أرجاء الصالة، وكأن قوى غير مرئية قد ركلته من الجانب الآخر بقوة خارقة. دخل الضوء الأحمر القاني إلى غرفتنا، ضوءٌ لم يكن يعكس لون النار فحسب، بل كان ضوءاً يمتص الدفء والحياة من كل شيء يلمسه. الظلال التي اقتحمت المكان لم تكن أجساداً مادية؛ كانت كيانات مصنوعة من الدخان الكثيف، تتشكل وتتلاشى في حركات انسيابية مرعبة، لها مخالب طويلة تشبه الشفرات، وأعينٌ متوهجة بلون الجمر المشتعل.
وقفتُ أمام نور كالجدار، وأمسك سامر بقطعة الحديد في يده، بينما كانت الشقة تهتز بعنف. لم تكن هذه مجرد اقتحام؛ كان انهياراً للحواجز بين عالمنا وعالمهم.
“لن تأخذوها!” صرختُ بصوتٍ لم أكن أعلم أنني أمتلكه.
أحد تلك الكيانات تقدم نحوي، ذراعه الطويلة تمددت لتخنقني، لكنني في لحظة انفعال لم أفكر فيها، رفعتُ القلادة الفضية التي أهدتني إياها الخالة نفيسة، والتي كنت قد علقتها في عنق نور منذ أشهر. القلادة أطلقت نبضات من الضوء الأبيض الساطع، شعاعاً متصلاً اخترق كيان الظل وكأنه شعاع ليزر يمزق نسيجاً بالياً. الكيان أطلق صرخة لم تكن صوتاً، بل تردداً اهتزت له عظامي، ثم تلاشى في الهواء كالبخار.
“سامر! خلفك!” صرختُ.
كان سامر يقاتل بشراسة يائسة، يلوح بقطعة الحديد، يضرب الظلال التي كانت تحاول التسلل خلفي. كان يدافع ليس فقط عن طفلته، بل عن سنوات من الندم كان يحاول تكفيرها في هذه اللحظات الحاسمة.
“لا تنظري إليهم في أعينهم، سارة! أغلقي عقلك!” صرخ سامر وهو يبتعد عني خطوة.
كانت الغرفة تتحول إلى ساحة معركة كونية. السقف بدأ يتشقق، والسماء خارج النافذة لم تعد سوداء، بل كانت مليئة ببروق خضراء أرجوانية. أدركت حينها أننا لسنا في بيتنا، نحن في “منطقة انتظار”، في نقطة تقاطع بين الأبعاد.
نور، التي كانت لا تزال مغشياً عليها على الأريكة، بدأت تطفو. جسدها ارتفع بضع سنتيمترات عن الأريكة، وشعرها الأصفر كان يتطاير وكأنها تحت الماء. الضوء خلف أذنها عاد للظهور، لكنه هذه المرة لم يكن مجرد ضوء؛ كان ينمو ليشكل دائرة مكتملة، دوامة صغيرة من الطاقة تدور بسرعة خيالية.
“إنها تفتح البوابة!” صرخ سامر وهو ينهار على ركبتيه، ظله يمتد بشكل غير طبيعي على الجدار. “سارة، يجب أن نغلق الدائرة! لا يمكنها تحمل ضغط البعد الآخر!”
ركضتُ نحوها، والظلال كانت تتكالب علينا. شعرت بمخالب تمزق ثوبي وتجرح ذراعي، لكن الألم كان شيئاً ثانوياً. وضعت يدي فوق أذن نور، فوق تلك الدوامة الملتهبة. كانت الحرارة لا تطاق، شعرت بجلدي يحترق، لكنني ضغطت بكل قوتي.
“يا رب.. يا من بيدك الملكوت.. امنع الشر عن طفلتي!” صرخت من أعماق روحي.
استجمعت كل ذكرياتي معها؛ أول ضحكة لها، أول خطوة، رائحة شعرها، صرختها في اليوم الأول للكابوس. ضخمت هذه المشاعر وجعلتها تتدفق من يدي إلى تلك الدوامة. لم يعد الأمر حرباً، بل كان “استعادة”. كنت أسحب ابنتي من براثن العدم بكل ذرة حب في كياني.
الضوء الأحمر تحول إلى انفجار أبيض غطى كل شيء. شعرت بأنني أسقط من ارتفاع شاهق، سقطت في صمت أبدي، ثم في ظلمة دافئة، وأخيراً.. في نور الشمس.
فتحت عيني. كنتُ ملقاة على أرضية الصالة. الهدوء كان مطبقاً. الغرفة كانت مهدمة، الأثاث محطم، الزجاج في كل مكان، لكن الظلال اختفت. الضوء الأحمر تلاشى، والسماء خارج النافذة كانت سماء فجر صيفية صافية ومشرقة.
نظرتُ حولي. سامر كان ملقى في الزاوية، يتنفس بصعوبة لكنه حي. ونور..
نظرتُ إلى الأريكة. كانت تجلس هناك، تنظر إليّ ببرائة متناهية، تفرك عينيها الصغيرتين وكأنها استيقظت من قيلولة طويلة.
“ماما؟” قالت بصوت رقيق، صوتها الطبيعي الذي لم أسمعه منذ زمن.
زحفتُ نحوها بدموع لم تتوقف، ضمتها إلى صدري بكل قوتي. تحسست أذنها. لم يكن هناك ضوء، لم يكن هناك شق، لم يكن هناك أي أثر. الجلد كان ناعماً، طرياً، وطبيعياً تماماً.
لقد انتهى الكابوس.
مرت سنوات على تلك الليلة. “نور” الآن في المدرسة، طفلة ذكية، مرحة، لا تتذكر شيئاً مما حدث. سامر تغير، أصبح أباً مثالياً، لكنه ظل محتفظاً بتلك الندوب النفسية التي تذكره دائماً بضعفه الذي كاد يدمرنا. وأنا.. أنا أصبحت امرأة أخرى. امرأة تعلم أن العالم ليس كما يبدو، أن هناك شقوقاً في جدران الواقع يمكن أن يتسلل منها الظلام، وأن المحبة هي السلاح الوحيد الذي لا يمكن لقوى الشر أن تفهمه.
في كل ليلة، قبل أن تنام نور، أقوم بتمشيط شعرها خلف أذنها، أتأكد أن كل شيء على ما يرام، ثم أقبل ذلك المكان الصغير الذي بدأت منه الحكاية، وأصلي في سري: “يا رب، احمها من العوالم التي لا نراها، ومن الأبواب التي قد تفتح في لحظات غفلتنا”.
أحياناً، في ليالي الهدوء الشديد، حينما ينظر المرء إلى النجوم، يراودني شعور بأن هناك من يراقب. لكنني لا أهتم. فقد تعلمت درساً واحداً سأحمله معي إلى القبر: مهما كان الشر ضخماً، ومهما كان الظلام مرعباً، فإن ضوءاً واحداً صادقاً نابعاً من قلب أم، قادر على محو كل ما في الكون من ظلام.
نظرت إلى نافذتي للمرة الأخيرة في تلك الليلة، وتذكرت كلمات العجوز في المغارة. لقد رحلوا، نعم، لكنهم تركوا في داخلي إدراكاً دائماً بأننا لسنا وحدنا. ومع ذلك، فالخوف لم يعد يملك مكاناً في قلبي. لأن الخوف هو وقودهم، والحب هو درعي.. ودائماً، وبلا استثناء، الحب هو الذي ينتصر.
أغلقت النور، وسرتُ نحو غرفة نور لأطمئن عليها للمرة الأخيرة قبل أن أخلد للنوم، بينما كانت نجوم السماء تلمع في الخارج، وكأنها تراقب بطلة المعركة التي لم يعرفها أحد غيرنا.
انتهت الحكاية، لكن الحارس.. لا ينام أبداً.





