ج الاخير حق نفسي عليا بقلم نرمين عادل همام
ج الاخير ورا كل باب حكاية

وفي البيت.. مصطفى بدأ يتغير بطريقة مش محتاجة هيصة ولا شو.. بقى حافظ مواعيد علاج أمه.. وراح مجلس الآباء في مدرس أحمد.. وقعد مع منة لما شافها ساكتة وسألها مالها واستمع لها وهي بتحكي عن صاحبتها اللي زعلتها.. وكان بيغسل المواعين ويشطب المطبخ قبل ما رضوى ترجع من نبطشية المستشفى.
في مسائية من الأيام، لقت رضوى مصطفى واقف عند الحوض بيغسل المواعين، قالها: «أنا لاحظت إنك كنتِ بتعملي الشغل ده كله بعد عشر ساعات مرمطة في المستشفى.. وده شيء ما كانش صح ولا عدل مننا أبداً!» كانت جملة صغيرة.. بس رضوى حسيت إن فيه حاجة حقيقية وجوهرية فاتحت وأتصلحت في جوازهم، مصطفى بدأ “يشوف المجهود” من غير ما يتطلب منه بالسيف!
ومنة كمان اتغيرت.. رسايلها لأمها ما بقتش مجرد طلبات، بقت تقعد مع أمها وهي بتعدل الصور على الكمبيوتر، وعرفت المطرب المفضل لأمها، وعرفت إن رضوى بتكره المانجو وبتحب الفطير المشلتت بالجدنة القديمة.. وعرفت إن أمها كان نفسها زمان تسافر وتصور كل شبر في مصر.
قالت لها منة: «أنا كنت فاكرة إنك طول عمرك كان نفسك تبقي ممرضة بس!» ردت رضوى: «أيوة، بحب شغلي جداً.. بس ده مش الشغف الوحيد في حياتي.» «طب ليه بطلتي تصوري زمان؟» «ما أخدتش قرار إني أبطل.. بس كنت دايماً بأجل وبحس إن طلبات البيت والعيال أهم وأعجل من أحلامي!» سألتها منة بدموع في عينها: «وهل إنك تبقي أمنا.. كان من ضمن الحاجات المستعجلة دي؟» «أيوة.» «وهل ندمانة يا ماما؟» مسكت رضوى إيد بنتها وقالت لها بحنية: «عمري ما ندمت إني أمكم يا منة.. بس حبكم ما كانش المفروض يتطلب إني أتمسح وألغي وجودي عشانكم!» عيني منة اتملت بالدموع: «ولا أنا عايزاكي تتلغي يا ماما.»
حتى أحمد بدأ يعتمد على نفسه في غسيل ترينجاته.. في أول مرة، انكمشت منه تلت تشرتات في الغسيل، ورضوى ما أنقذتوش ولا صلحت الغلطة! راح اشتغل في الصيف في دكان جاره ولم فلوس وجاب غيرهم، وقعد يضحك وقال: «الغسيل ده الشغلانة بتاعته هباب وبتفرهد أوي يا ماما!» ضحكت رضوى: «أيوة فعلاً..» «طب ليه ما قلتيليش كده من زمان؟» «قلتلكم كتير يا أحمد.. بس ما كنتوش بتسمعوا!» هز رأسه واقتنع بالكلام.
أما الحاجة أم مصطفى.. ندمها واعتذارها أخد وقت أطول لأنه كان بيتطلب مواجهة مع تاريخ حياتها هي شخصياً. في عصريّة يوم جمعة، لقت رضوى قاعدة في البلكونة بتراجع الصور. قالت لها الحاجة بصوت مكسور: «أمي الله يرحمها كانت شبهك يا رضوى.. شالت سبع عيال وبقت تخبز وتغسل وتخدم وما اشتكتش مرة! ولما تعبت، محدش فينا أخد باله غير لما وقعت في المطبخ وغمت عليها!» ارتجف صوت الحاجة كملت: «أنا أقسمت زمان إني مش هعيش زيها.. بقيت أجعر وأزعق وأطلب الخدمة.. بس لما جيت هنا بعد عمليتي، رميت كل الحمل عليكي أنتِ!» ردت رضوى: «حضرتك كنتِ تعبانة يا حاجة ومحتاجة الرعاية.» «وأنتِ كمان كنتِ تعبانة! عندك شغلك في المستشفى، وعيال وجواز وبيتك.. أنا عمري ما سألتك التعب ده بيكلفك إيه من صحتك!» قعدت رضوى جنبها وقالت: «كان لازم أنا كمان أتكلم وأوضح يا حاجة.» «ما كانش المفروض تحتاجي تعملي الموقف ده كله عشان نتعامل معاكي كبني آدمة ليكي طاقة وبشر!» مسكت الحاجة إيد رضوى: «نقدر نكون أحسن من كدة يا رضوى؟» «نقدر نحاول يا حاجة.»





