ما وجده خلف الباب

كان أحدهم يمرّر لها الطعام من ذلك الثقب. أقلّ ما يمكن، فقط القدر الكافي كي لا تموت. لا رحمةً، بل مصلحة. فالميت يثير الأسئلة، أمّا عجوز محبوسة صامتة فلا.
وفي الزاوية المقابلة دلو يُستعمل مرحاضًا. وعلى الجدران آثار وخطوط محفورة بشيء ما، ربّما حجر، وربّما ظفر.
عدّها رودريغو من غير قصد.
عشرات… مئات.
كانت أمّه تعدّ الأيام في بيتها هي، في البيت الذي بنته مع زوجها، في البيت الذي وُلد فيه رودريغو.
شخص ما حبسها هناك كما يُحبس الحيوان. سمّر النوافذ، ووضع السلاسل، وصار يمرّر لها الطعام عبر ثقب في الباب، لا ليُبقيها حيّة رحمة بها، بل ليُبقيها صامتة.
شدّ رودريغو فكّه حتى كاد يسمع صوت احتكاك أسنانه، وقال:
من فعل بكِ هذا يا أمّي؟
أغمضت كارمن عينيها، ولم تجب.
إما لأنها لم تعد تملك القوة، وإما لأنها لم تعد تملك الجرأة. لكن رودريغو كان يعرف أن الجواب يقف على بُعد مئتي متر فقط.
حمل أمّه كما يُحمل طفل. كانت خفيفة إلى حدّ الصدمة. لفّها ببطانية نظيفة من تلك التي أحضرها في شاحنته، وأجلسها في المقعد الأمامي إلى جانبه. وقفز كانيلو إلى الخلف من تلقاء نفسه، كأنه يعرف أن أحدًا جاء أخيرًا ليفعل ما عجز هو عن فعله.
قاد بجنون. كانت أقرب عيادة تبعد أربعين دقيقة عبر طريق ترابي، لكنه قطعها في خمس وعشرين. كان ينظر إلى أمّه بطرف عينه، وقد غفت أو أغمي عليها، فمها نصف مفتوح، وتنفسها خافت إلى درجة أنه كان يمد يده كل حين إلى صدرها ليتأكد أنها ما زالت حيّة.
وصل إلى العيادة منزلقًا بعجلاته، ودخل وهو يحملها
بين ذراعيه. وما إن رآها الممرضون حتى تحركوا فورًا. وضعوها على نقالة، ووصلوا لها المحاليل. وجاءت الطبيبة راكضة، وحين كشفت الغطاء عنها،
صمتت ثلاث ثوانٍ.
ثلاث ثوانٍ بدت لرودريغو كأنها ثلاث ساعات.
ثم جاء التشخيص سلسلة من الأهوال: سوء تغذية حاد، وجفاف مزمن، والتهابات جلدية بسبب القروح التي ظهرت من طول الرقود في الموضع نفسه، وتقرحات في الساقين، وبدايات التهاب بولي، وفقر دم.
نزعت الطبيبة قفازيها، ونظرت إلى رودريغو بصوت حاول أن يكون مهنيًا، لكنه لم يستطع أن يخفي الذعر:
كم من الوقت بقيت على تلك الحال؟
لم يعرف رودريغو ماذا يجيب. لكن رأسه كان قد بدأ يعدّ. تغيرت المكالمات منذ نحو ثمانية أشهر. الأجوبة القصيرة، الأعذار، التهرب من الفيديو… ثمانية أشهر.